ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
245
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
وقال الحسن لقد أدركت أقواما وصحبت طوائف منهم ما كانوا يفرحون بشيء من الدنيا أقبل ولا يتأسفون على شيء منها أدبر ولهي كانت أهون في أعينهم من هذا التراب الذي تطأونه بأرجلكم إن كان أحدهم ليعيش عمره كله ما طوي لأحدهم ثوب ولا أمر أهله بصنعة طعام قط ولا جعل بينه وبين الأرض شيئا قط وأدركتهم عاملين بكتاب الله وسنة نبيهم إذا جنهم الليل فقيام على أطرافهم يفترشون وجوههم تجري دموعهم على خدودهم يناجون ربهم في فكاك رقابهم إذا عملوا الحسنة فرحوا بها ودأبوا ( 1 ) في شكر الله وإذا عملوا السيئة حزنتهم وسألوا الله أن يغفرها والله ما زالوا على ذلك . وقال : إن قوما أرادوا سفرا فحادوا ( 2 ) عن الطريق فانتهوا إلى راهب منفرد عن الناس فنادوه فأشرف عليهم من صومعته فقالوا يا راهب إنا قد أخطأنا الطريق فكيف الطريق فأومأ برأسه إلى السماء فعلم القوم ما أراد فقالوا يا راهب إنا سائلوك فهل أنت مجيبنا فقال اسألوا ولا تكثروا فإن النهار لا يرجع وإن العمر لا يعود والطالب حثيث ( 3 ) فعجب القوم من كلامه فقالوا يا راهب علام الخلق غدا عند مليكهم فقال على نياتهم فقالوا أوصنا فقال تزودوا على قدر سفركم فإن خير الزاد ما بلغ البغية ثم أرشدهم الطريق وأدخل رأسه في صومعته . وقال آخر مررت بصومعة راهب من رهبان الصين فناديته يا راهب فلم يجبني فناديته الثانية فلم يجبني فناديته الثالثة فأشرف علي وقال يا هذا ما أنا براهب إنما الراهب من رهب الله في سمائه وعظمه في كبريائه وصبر على بلائه وحمده على نعمائه وتواضع لنعمته وذل لعزته واستسلم لقدرته وخضع لمهابته وفكر في حسابه وعقابه فنهاره صائم وليله قائم
--> ( 1 ) دأب دابا بفتح الدال والهمزة وسكونها من باب منع : جد في العمل وتعب فيه واستمر عليه فهو دائب ودأوب وزان حسود . ( 2 ) حاد يحيد إذا عدل عنه . ( 3 ) والطالب حثيث اقتباس من قوله في سورة الأعراف آية 54 « يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا » أي يطلب الليل النهار سريعا بعد ما أغشاه فمعنى قوله الطالب حثيث أن العمر ينقضي بسرعة فيطلب كل حين حينا آخر يتبعه سريعا .